عبد الكريم الخطيب

45

التفسير القرآنى للقرآن

وفي قوله تعالى : « وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ » نظرتان : النظرة الأولى : إلى العدول عن الكافرين ، والتعبير عنهم بالفاسقين ، إذ سياق الكلام يقضى بأن يكون الإضلال للكافرين الذين وقفوا من المثل هذا الموقف اللئيم ، فقالوا في استهزاء واستنكار : « ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا ؟ » فكان المتوقع أن يكون الجواب هكذا : « يضلّ به كثيرا ، ويهدى به كثيرا وما يضلّ به إلّا الكافرين » . . ولكن لكلام اللّه حساب غير هذا الحساب ، وتقدير فوق هذا التقدير ، فجاءت فاصلة الآية هكذا : « وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ » . والفسق معناه في اللغة : الخروج ، يقال : فسق ، وفسق أي خرج عن طريق الهدى والصلاح ، وانفسق الرّطب عن قشره : أي خرج . والكافر فاسق ، لأنه خرج عن طريق الهدى والإيمان ، وركب طريق الضّلال والكفر ، خرج عن فطرته التي فطره اللّه عليها ، ونقض الميثاق الذي واثقه اللّه عليه ، في قوله سبحانه : « وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا » ( 172 الأعراف ) والنظر الثانية : إلى قوله تعالى : « يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً . . الآية » فهي جواب عن سؤال أولئك الذين في قلوبهم مرض ، الذين استخفّوا بالأمثال التي يضربها اللّه ، ويتخذ مادتها من مخلوقات ضئيلة من خلقه . . فيقولون في عجب واستنكار : ما ذا أراد اللّه بهذا مثلا ؟ فكان جواب الحق جلّ وعلا : « يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً ، وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً ، وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ » ! والنظرة هنا إلى نسبة الإضلال إلى اللّه سبحانه وتعالى ، بضرب